أخر تحديث : السبت 12 أبريل 2014 - 9:45 صباحًا

في الحاجة إلى التكوين

               يعتبر التكوين الذاتي حاجة يومية لكل فرد من أفراد المجتمع ،و لا يمكن لأي فاعل سياسي او مجتمعي الاستغناء عنه فهو النبع الذي لا ينضب والزاد الذي لا ينقطع، أهم من المأكل والمشرب والملبس ،فهو صاحب رسالة وخطاب يحتاج إلى وسائل الإقناع والمحاججة وهو ما  يتطلب قدرا كبيرا من المعرفة العلمية بمختلف تمظهراتها، التربوية والفكرية والسياسية والثقافية والمهاراتية ،و يبقى الاشكال المعرفي بالنسبة للشباب الحزبي ،إحدى اهم التحديات الحالية لكافة التنظيمات الشبابية.

               فكل ممارس ليس له زاد معرفي ينمو ويتطور سيتآكل ان عاجلا أم آجلا ، وسيصبح عاجزا عن القيام بالمهام والمسؤوليات الوظيفية الملقاة على عاتقه، فالسياسة هي مجال الاتصال والتواصل السياسي بامتياز فلا تواصل سياسي بدون توفر خطاب سياسي مقنع ومتزن، يهدف إلى تغيير النفوس والعقول والأفكار والواقع ،ومهمة رجل السياسة تتطلب صفات وسمات معينة تجعله قادرا على إنتاج خطاب سياسي قوي ،مبني على الإستشهادات والمقارنات وبلغة قوية ومنسجمة مقرونة بوعي سياسي ينطلق من مقاربات واقعية وشفافة  .

              لقد اصبحت الحياة السياسية ومعها الحزبية تعج بالعديد من الظواهر والكائنات الصوتية الغريبة ،التي اعتلت منصات الخطابة وشاشات القنوات التلفزية يرددون سفاسف الكلام ،والذي يحمل في طياته الكثير من التناقضات و الأخطاء اللغوية والنحوية ،دون الحديث عن مستوى المضامين فتلك طامة كبرى فما بين مردد لكلام زعيم حزبه ،ومابين متلقف للمصطلحات الحداثية التي تفتقد في الكثير منها إلى الأصول المعرفية ،فهي في الغالب الأعم تنتمي إلى القاموس السياسي المنحط الذي يظهر بين الفينة والأخرى في الأمة عبر العصور المتعاقبة ،و يتشكل من المتشابه والمقعر من الكلام لا يلتزم لقاعدة نحوية او صرفية ، لا ناظم له يغوص في المصطلحات العنترية و يمتح من الكلمات العرنسية والمدبجة قسرا داخل منظومتنا السياسية وبعدها القيمية والحضارية .

  ومما يثير الشفقة اني رأيت أناسا لا هم لهم سوى تسجيل الكلام يتمثلون السفسطائية في معانيها السلبية المبنية على فلسفة ضعيفة الأساس ،متهافتة المبادئ كالفلسفة الريبية و الشكية، وهي فلسفة عملية تقوم على الإقناع لا على البرهان العلمي أو المنطقي ،وكأنهم يفهمون في كل شيء وبيدهم الحل والعقد يتحدثون ملأ افواههم ،من المفروض عليك ان تستمع لنعيقهم إن لم نقل لنهيقهم يقتطعون من اوقاتنا الشيء الكثير مرغمين لا مخيرين يصرون أيما إصرار على الحديث والكلام الذي يبطن في كثير من الأحيان عجبا واعتداد بالنفس ، وهو ما يوقع في المحظور كما جاء في الأثر عن علي رضي الله عنه من “كثر كلامه كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه ….” إنهم يمثلون السفسطائية في أبشع صورها المبنية على المغالطة والجدل العقيم واللعب بالألفاظ وإخفاء الحقيقة.

             فأمثال هؤلاء الذين ابتليت بهم الساحة السياسية سواء الحزبية او الجمعوية والشبابية ،وفقدت معهم الحياة السياسية معناها لن يتركوا لنا ولغيرنا تراثا علميا او سياسيا او فكريا ،كما ترك العديد من الوطنيين الأوائل الذين كانوا يجمعون ما بين العلم و الجهاد والنضال السياسي امثال : علال الفاسي ، المهدي بن بركة ، محمد بن الحسن الوزاني ، عبد الكريم الخطابي ، الشيخ ماء العينين ،عبد القادر القادري ، عبد الكريم الخطيب وغيرهم كثير  من علماء ومناضلي ومجاهدي  هذا البلد الكريم .

                إن سيادة المنطق التسطيحي الاختزالي الأجوف الذي يعبر عن ضحالة في التفكير وقصر النظر ،ساهم بشكل كبير في العزوف السياسي و انحطاط القاموس السياسي وأصبحت السياسة مهنة من لا مهنة له وفرصة لكل متسلق وصولي ، ترى الرجل يعجبك لباسه وهيأته لكن ما إن تجالسه يظهر على حقيقته كما قال الشاعر ” ستعرف إذا أنجلى الغبار / افرس تحتك ام حمار ”  لغة منحطة وقاموس رديء , لا فكر ، لاعلم ،لا أخلاق ، لا يحترم المبادئ السياسية ولا القانونية  ، لايفرق بين المواقف والمبادئ ، لا يفرق بين الآية والحديث ، لا يحترم القواعد الأصولية ، ،يحدث الناس بكل ما سمع، يوزع الشتائم ، يكذب بين اللحظة والأخرى ، بعيد عن الإنصاف والموضوعية كل همه هو تسجيل المواقف ، مصالحه أولى من مبادئه ،معتد بنفسه تضخمت اناه إلى اقصى الحدود ، أصبح مثلا أعلى  للعديد من  السياسيين في وطننا العزيز .

             علاوة على أن  ممارسة العمل السياسي يجب ان تبنى على قواعد ومبادئ واضحة ،تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة وخدمة الشعوب والتنافس الحر والنزيه وتداول السلطة بشكل سلمي ،فالسياسة إذا انفصلت عن مبادئها الأخلاقية والقيمية تصبح بدون معنى وتصبح في كثير من الأحيان وبالا على الشعوب ،بل تصبح مرتعا خصبا لنمو الفساد وحمايته ،ووكرا لكل مستبد وحصنا لكل ديكتاتوري وقد تجلب الدمار والخراب وتساهم في تعطيل العمران ،وفي القضاء عليه كما يحدث الآن في العديد من الأقطار العربية والإسلامية .

            ووعيا منها بأهمية بناء الشخصية المتكاملة وإخراج قيادات شبابية فاعلة وقادرة على القيام بالمسؤوليات الملقاة على عاتقها ،اولت شبيبة العدالة والتنمية اهمية قصوى لوظيفة التربية والتكوين والتأهيل العلمي والفكري للمناضلين باعتبارها من أهم الوظائف وغاية تروم تحقيقها، بل إنها تسعى إلى أن تصبح مدرسة لتخريج الأطر والكفاءات القادرة على الانخراط في العمل السياسي والارتقاء به وتجويده.

             هذه المهمة النبيلة تستوجب توفر مجموعة من المقومات الذاتية لدى المشتغلين عليها وخصوصا الشباب ،حتى يصبح مؤهلا للقيام بالأدوار  المنوطة به ،ويحقق الرسالة المنشودة من العمل السياسي الأمر الذي يتيح لهم إمكانية استيعاب معطيات محيطهم الاجتماعي والسياسي والثقافي ، ويمنحهم القدرة على التفاعل مع واقعهم المجتمعي والفعل فيه .

          بيد ان إيمان شبيبة العدالة والتنمية بأهمية التكوين اقتضت التفكير في بناء إستراتيجية عمل قاعدي ،ينطلق من الوحدة الأدنى للتكوين “مجالس المناضلين” إلى مستويات أعلى وذلك لضمان بناء سليم للعملية انطلاقا من تحديد عدد المشاركين ،وتوفير الوسائل البيداغوجية المساعدة على التكوين بما فيها محاور التكوين وبعض المراجع العلمية والوسائط السمعية البصرية .

          و تشكل هذه المجالس فرصة مناسبة لتنزيل البرامج التربوية التكوينية ،وضمان استفادة للجميع انطلاقا من توسيعها والحرص على تغطية كافة التراب الوطني ، وتعميق التواصل والاستيعاب مع كافة الأعضاء فيما بينهم ،وأيضا مواكبة مستجدات العمل الشبابي وطنيا ومجاليا والتفاعل مع المستجدات والقضايا الوطنية والسياسية .

           ويمكن القول ان من اهم المسؤوليات الكبرى  الملقاة على عاتق مناضلي  ومناضلات شبيبة العدالة والتنمية بمختلف مسؤولياتهم ومواقعهم  تفعيل هذه المجالس ، باعتبارها محاضن للتربية والتكوين ومرحلة تمهيدية لا غنى عنها وفضاء ارحب للمساهمة في تحقيق  الهدف العام للوظيفة التكوينية في ارفع واسمى معانيها ،والمتمثل في الوصول إلى  تكوين جيل شبابي رسالي مؤهل، تربية وفكرا ومهارة وكفاءة لاستكمال مسيرة الإصلاح السياسي والاجتماعي ،المبني  على أسس مرجعية وقاعدية تنطلق من المقومات الحضارية والقيمية للأمة والتي تحتاج إلى معارف ومدارك متكاملة وشاملة .

             إن الارتقاء بالجانب التربوي والأخلاقي لأعضاء المنظمة من خلال تأطيرهم على القيم الإسلامية والحضارية المتشبعة بالروح الوطنية ،وخدمة الصالح العام للمواطنين و تأهيل القدرات التنظيمية وتنمية المهارات الإدارية لشباب المنظمة، وتمكينهم من منهجيات ووسائل العمل الجماعي والمبادرة الميدانية الفعالة والقاصدة وتحسين المستوى التنظيمي والإداري لدى أعضاء المنظمة، وتنمية ذواتهم العملية ومهاراتهم الممارساتية، بما يُسهم في تجويد أدائهم النضالي اهداف إجرائية للبرنامج التكويني لشبيبة العدالة والتنمية لا بد من التأصيل والتقعيد لها عبر تفعيل مجالس المناضلين في مختلف فروع الشبيبة على المستوى الوطني .

          وتعد مجالس المناضلين كأصغر وحدة للتكوين لدى شبيبة العدالة والتنمية سابقة في تاريخ المنظمات الشبابية الوطنية ،وتجربة فريدة تنطلق من معطيات واقعية مبنية على تشخيص دقيق لواقع الشباب المغربي ،بل جاءت استجابة لحاجة موضوعية لمناضلي الشبيبة بالنظر إلى حجم المسؤوليات والتحديات التي يتطلبها القيام بمهمة التأطير والفعل السياسي ،خصوصا مع الفئات الشابة وأيضا الحاجات المتزايدة التي تتطلب قدرا كبيرا من المعرفة العلمية سواء ذات الطابع التربوي او الفكري او القانوني او السياسيي او الاقتصادي او المهاراتي، بما يمكنه من التمكن من مجموعة من المدارك القانونية والسياسية لتصريف ممارسته السياسية وفق منهج تشاركي إيجابي معتدل يستحضر كافة  المبادئ القيمية والحضارية للشعب المغربي وللحياة السياسية بشكل عام  .

         وفي هذا الإطار تحضرني المقولة المأثورة “كل ينفق مما عنده” هذه الكلمة العظيمة في إيجازها وعمقها، وتعبيرها عن المراد، تصلح أن يُستشهد بها في كثير من المناسبات والأحوال، ولهذا فلا غرو أن تتباين الأقوال وتختلط الإفهام وردود الأفعال ،لأن كلاًّ ينفق مما لديه  وهذا هو حال وواقع العديد من المتطفلين على الحقل السياسي والشبابي، وهي علامات دالة على انحطاط المستوى العلمي والتكويني لدى بعض المشتغلين به ،بل اصبح العمل الجمعوي والسياسي مهنة من لا مهنة له وحرفة من لا حرفة له ، وهو ما تحاول شبيبة العدالة والتنمية المساهمة في معالجته من خلال بناء قاعدة تكوينية لتخريج قيادات مستقبلية قادرة على الفعل السياسي والشبابي.

إن استحضار الأبعاد القيمية والحضارية والفكرية والثقافية ،وكذا الأدوار الطلائعية الملقاة علينا كفاعلين شبابيين وسياسيين، يستدعي منا جميعا تفعيل الجانب التكويني في شقيه الفردي والجماعي حتى تنمكن من الإجابة عن كافة استحقاقات المرحلة ،بتحدياتها المختلفة والتي تحتاج إلى خطاب واعي ومدرك يستبطن عمقا قيميا وفكريا وثقافيا ومهاراتيا في أفق الوصول إلى تكوين شباب رسالي، والمساهمة في وضع لبنة الاستخلاف المنشود والذي نحتاجه أكثر من أي وقت مضى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .

بقلم : ذ امري محمود

عضو المكتب الوطني للشبيبة

أوسمة :