أخر تحديث : الخميس 17 أبريل 2014 - 12:20 مساءً

احتفاءً بالحملة الوطنية لشبيبة العدالة والتنمية الارتقاء بالخطاب والممارسة .. اللغة والأخلاق، وأمور أخرى

محمد الطويل*

 

يستبشر المرء خيراً وهو يتابع الحيوية الكبيرة التي يُبديها أعضاء شبيبة العدالة والتنمية تفاعلا مع مضامين حملتهم الوطنية الحادية عشر تحت شعار “وطننا يجمعنا”، بمختلف ربوع المملكة. ولعل أحد ملامح تميز فعاليات هاته الحملة، هو أنها لم تنشغل بهَمِّ تعريف بذات أو دفاع عن اختيارات، بقدر ما انخرطت في صلب النقاش الوطني ترصدا لأحد الأعطاب البنيوية التي تعتري واقع هيئاتنا السياسية وتؤدي إلى تدني خطابها وممارستها.

ويعبر رفع هذا الشعار عن تنامي وعي شباب العدالة والتنمية بقيمة وضرورة إسناد تجربة البناء الديمقراطي والتنزيل السليم للدستور من خلال العمل على إرساء ثقافة سياسية مستوعبة لمقتضيات الانتقال نحو الديمقراطية، بتكريس جو الثقة بين الفرقاء وإعادة الاعتبار للفعل السياسي من خلال تثمينه وتقدير عوائده على المجتمع. لأن أي انتقال يبقى مرهونا بمدى توفر ثقافة سياسية رشيدة ترعى وتحصن التعاقدات السياسية والاجتماعية الناشئة وتؤسسها على مبدأ القبول بالآخر والاستعداد للتعاون معه، مادمنا جميعا نتقاسم ماضيا مشتركا ومصيرا واحدا.

كما يأتي اختيار هذا الموضوع رغبةً في تجاوز أحد عوائق التحولات الديمقراطية. فتتبع بسيط لأسباب فشل تجارب الديمقراطية في العديد من نماذج الانتقالات، يؤكد لنا أن كثيراً منها يعود إلى إشكالات ثقافية وقيمية، أكثر منها إشكالات دستورية وقانونية ومؤسساتية. فكم من نصوص قانونية، “تقدمية” في مضمونها، ومحكمة في صياغتها، لم تؤد الغاية منها لا لشيء سوى أنها عانت “غربةً ثقافيةً” وافتقرت إلى الاستعداد المجتمعي لتقبلها واستيعابها.

وإن كان من وجه سلبي في اختيار شعار “الارتقاء بالخطاب والممارسة” هو أنه ما زال يؤكد حاجة واقعنا السياسي لقيم ترشد مساره وتغري مزيدا من المواطنين بالانخراط فيه، من قبيل قيم الإخلاص لله والصدق مع المجتمع بنكران الذات وتغليب المصلحة الجماعية والعامة على المصلحة الخاصة، والتي تُعلي من خطابنا وممارستنا السياسيين ليكونا في مستوى تطلعات مجتمعنا. كما يسلط رفع هذا الشعار الضوء على مقدار تفشي النزوعات المصلحية والعصبيات الحزبية الإقصائية ونبذ قيم الحوار وتضخم الذات واستصغار الآخر بين مختلف الفاعلين والهيئات السياسية. وهو الأمر الذي يُبخس العمل السياسي ويجهض آمال المغاربة في تجاوز مرحلة سياسية ابتُذل فيها العمل السياسي بسبب سعي البعض إلى تمييع الممارسة السياسية وإرباك ثقة المواطنين في السياسية والسياسيين.

بيد أن وجه الإشكال الكامن وراء ضمور المعطى الأخلاقي في ممارساتنا السياسية يتجاوز حدود الإشكال الأخلاقي، ليكشف الحجاب عن عجز نخبنا السياسية والحزبية عن طرح الإشكالات الحقيقية التي ترقى بالواقع السياسي إلى مستوى إنتاج مضمون خطابي وممارسة نضالية في مستوى التحديات والمشاكل الوطنية. ولتورية عجزها عن الاضطلاع بهذا الواجب الوطني الحاسم، تكتفي العديد من أحزابنا بإنتاج اللغو الكلامي والتخبط في ضنك المزايدات السياسية التي لا طائل من ورائها، بما يُدني بالعمل النضالي إلى دركات تصيد مزالق المنافس وتشويه الحقائق واختلاق المعارك الوهمية.

وهو الأمر الذي إذا ما تخلفنا عن التصدي له، سيفسح مزيدا من المجال أمام قوى الاستبداد والنزوعات المصلحية لتزييف الوعي والتدني بالإدراك السياسي، بما سينعكس سلبا على المواطن المغربي ويُفضي به إلى الابتعاد عن السياسة والفضاء العام، لأنهما في نظره سيبقيان مجالان موبوءان بالدناءة والمكر والخداع. ولعله هذا أحد النتائج التي يعمل على تكريسها المستبدون والمنتفعون من وضعية اللاديمقراطية، لأن ذلك يسهم في إقفال المجال السياسي واستبعاد المواطنين والصالحين، عبر إحباط عزائمهم، من تحمل أمانة القيام بواجبهم في صناعة القرار السياسي.

وبالرغم من الحيوية التي أبدتها الشعوب العربية لحظة الحراك الانتفاضي/والديمقراطي، بالعديد من دول الأمة العربية، والأفق الواعد الذي اخترقته في وجه أنظمة مغلقة استبدادية مؤسسة على نزوع تهريب القرار الوطني والاستئثار بخيرات البلاد وثرواته؛ نجدنا أمام مؤسسات سياسية وهيئات حزبية لم تستطع التخلص من واقعها السياسي والتنظيمي البئيس، وقاصرة عن مواكبة الدينامية المجتمعية بتجديد خطاباتها وتعميق طروحاتها وتجويد أدائها، تعزيزاً لشرعياتها الإنجازية والنضالية وتدعيما لثقة المواطنين في مؤسساتهم السياسية.

لكل هاته الغايات والدواعي، جاء اختيار شعار الارتقاء تخليدا للمبدأ القرآني ﴿ تعالوا إلى كلمة سواء ﴾ بمثابة دعوة ربانية ومنهج نبوي من أجل التعالي والارتقاء إلى مدارج الكلمة السواء. ولعلنا بتمثل هذا المبدأ نرقى بخطابنا وممارستنا إلى مستوى التأسيس للحظة بناء سياسي ومجتمعي مؤسس على قاعدة التسليم بأن وطننا فسيح كبير ومتسع للجميع؛ وبأن الخير كل الخير هو في تلك اللحظة التي يؤمن فيها الجميع بأنه لا مستقبل لنا إلا من خلال تقبل بعضنا البعض والإيمان بوحدة المصير، وإدراك أن ما يجمعنا هو أكثر مما يفرقنا.

فيمكن أن نجعل من اختلافاتنا السياسية، إن أردنا ذلك، عاملا يُثري الحياة السياسية ويُغني التداول العام بتعدد المشاريع الإصلاحية والأطروحات السياسية، بما يساير حركية المجتمع ويشجع المواطنين على ارتياد الفعل السياسي وصيانة مكاسب الإصلاح والنضال، أملا في صناعة وطن عادل وعيش كريم.

وحتى نتمكن من بث هذه الروح في مفهومنا للارتقاء، كان من المهم أن نؤكد على قيمة صياغة مفهوم لـ”الرقي بالخطاب والممارسة” يتجاوز مفهوم الارتقاء الأخلاقي أو الخطاباتي، على قيمتهما. بل يكون رقيا عميقَ الغور مستويَ الأركان، ومتعدد الأبعاد والمضامين، وفي مستوى التحديات والإشكالات والتطلعات المجتمعية والوطنية.  

ولعل أحد ملامح هذا الارتقاء الشامل هو الارتقاء الغائي الذي يجعل من المغرب غاية المقاصد وأسماها خدمة للوطن، مادام حب الأوطان من الإيمان. كما أنه ارتقاء بمضمون الخطاب النضالي والممارسة السياسية من خلال طرح الإشكالات الحقيقية وتقعيد المنهجيات التغييرية على ضوء الأطروحات الواضحة المؤهلة لتعبئة المواطنين من أجل الانخراط في مهمة البناء الديمقراطي واستكمال نضالات الأجداد والآباء، ليكون المغرب في مستوى تاريخه المجيد وحضارته العريقة.

يبدو أن هاته الحملة قد استوفت الغرض منها بفضل حجم إقبال الشباب وعموم المواطنين على فعالياتها، بما شكل دليلا آخر على أن عموم المغاربة ما زالوا معنيين بالنقاش السياسي الجاد؛ كما أنه مؤشر على مقدار ما يتمتع به كل من حزب وشبيبة العدالة والتنمية بالتفاف عموم الشعب المغربي على هذا الخط الإصلاحي الواعد.

إن تنظيم مثل هذه المبادرات والفعاليات سيشكل خطوة جادة ولبنة من لبنات تعميق الخطاب السياسي وترشيد الممارسة النضالية، تدعيما لتجربة الإصلاح السياسي والبناء الديمقراطي بالمغرب. 



*  عضو المكتب الوطني، المشرف على ملف التربية والتكوين والتأهيل العلمي والفكري

أوسمة :