أخر تحديث : الأربعاء 10 أكتوبر 2018 - 3:09 صباحًا

بورتريه: عبد الحق الطاهيري .. مفكر شبيبة “المصباح” الأول

عبد الإلاه حمدوشي

في الرابع من فبراير من سنة 2018، ودعت شبيبة العدالة والتنمية فيمن ودعت، “مفكرها الأول”- كما يصفه محمد أمكراز الكاتب الوطني الحالي للشبيبة-، عبد الحق الطاهري، الذي نسج جغرافيا التلاقي بين يراع الفكر المنطلق نحو المدى وصرامة التنظيم وقيد المسؤوليات، وعقد القران بين تدفق الشباب وجلجلة الحماس وجلال العلم ورهبة السؤال، فقد كان لزاما عليه أن يغادر قُمرة قيادة شبيبة “المصباح” بعد أن تجاوز سن الأربعين سنة، الذي يحدده النظام الأساسي للمنظمة كأقصى سن يمكن أن يكون عليه عضو بها.

لم يكن عبد الحق الطاهري، عاشقا للضوء بقدر عشقه لنور “المصباح” الذي أفنى -للمساهمة في إضاءته إلى جانب ثلة من إخوانه وأخواته- مدة من الزمن ليست بالهينة، فطبيعته الهادئة المستمدة من هدوء وحياء ورزانة أهل أرفود خاصة والراشيدية عموما، جعلته يخط مساره في التكوين والبناء على مدى أكثر من 12 سنة دون أن يحدث للضجيج صخبا أو للطحين جعجعة .

في قدر الله المكتوب خرج عبد الحق إلى الدنيا سنة 1974 بمنطقة القصور بإقليم الراشيدية، حيث تلقى تعليمه الابتدائي هناك بقريته بقصور تافيلالت، لينتقل بعدها إلى أرفود لاستكمال دراسته بالمرحلة الإعدادية والثانوية، فبعد أن حصل على شهادة الباكالوريا في الآداب العصرية، عشقه للتاريخ قاده إلى العاصمة الإسماعلية حيث سيحصل على الإجازة في التاريخ من كلية الآداب بمكناس، ثم بعدها على شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة محمد الخامس بالرباط، حول أطروحة “تاريخ الغرب الإسلامي الوسيط”، قبل أن يكمل مساره العلمي ليحصد مؤخرا شهادة “ماستر” في القانون.

في الجامعة، لم يكن غريبا على شاب تتقارع الأفكار في ذهنه حين يقف في الحلقيات وحين يعانق الكتب، أن يبحث عن ذاته بين التنظيمات الطلابية والسياسية والدعوية التي كانت آنذاك تعرف نشاطا كبيرا على مستوى الجامعات، حيث التحق عبد الحق برابطة المستقبل الإسلامي سنة 1992، ليستمر على هذا النحو إلى حين انتخابه سنة 1998 عضوا باللجنة التنفيذية لفصيل طلبة الوحدة والتواصل، مكلفا بطلبة السلك الثالث والبحث العلمي، والتي كان يرأسها آنذاك مصطفى الخلفي ( الوزير الحالي)، فيما كان عبد العلي حامي الدين نائبا له، بالإضافة إلى عبد الله بوانو وامحمد الهلالي والمختار لحمر.

“هو مناقش مبهر في الحلقات الضيقة أكثر منه محاضرا، قارئ نهم ومثقف هادئ، وهذا ليس غريبا عمن يمكن أن أسميه تلميذ الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله بامتياز”، يقول عبد العلي حامي الدين، “عبد الحق كان عضوا معنا في اللجنة التنفيذية لفصيل الوحدة والتواصل سنة 1998، معروف عليه عدم حبه للأضواء، ولا يضيره أن لا يُمدح أو لا يُعترف بفضله، ومعهود عليه الاشتغال في صمت”.

كما أنه كان عضوا في جميع المكاتب الوطنية لشبيبة العدالة والتنمية منذ سنة 2006، فقد عاصر كلا من عزيز رباح، ومصطفى بابا، بالإضافة إلى رفيقه في النضال والحياة خالد البوقرعي، قبل أن يغادرا معا في الرابع من فبراير من هذه السنة المكتب الوطني لشبيبة “المصباح”، وهذا ما لا يعرفه كثيرون، فالرجل قليل الظهور إعلاميا، زاهد في طلب المسؤوليات، “لعب دورا كبيرا ومحوريا في إنتاج أوراق الشبيبة منذ بدايتها، فهو من الذين ساهموا في تأسيس الأرضية النظرية لعمل الشبيبة”، كما أكد على ذلك محمد أمكراز الكاتب الوطني الحالي لشبيبة العدالة والتنمية، مضيفا بالقول: “الدكتور عبد الحق هو مفكر شبيبة العدالة والتنمية الأول..هو بحر عميق من الفكر.. هادئ.. رزين ومناضل صلب المواقف”.

“بمغادرة الدكتور عبد الحق الطاهري، فقدت شبيبة العدالة والتنمية رجلا كبيرا ومثقفا عظيما”، يضيف سعد حازم، نائب الكاتب الوطني لشبيبة العدالة والتنمية، متحدثا عن الطاهري: ” الدكتور عبد الحق يملك قدرة كبيرة على صياغة أفكار متنورة، كما أن قربك منه يجعلك لا تحس بفارق السن الذي بينك وبينه، وأملي أن يستفيد منه الحزب مستقبلا على مستوى التكوين والتأطير الذي نحن في حاجة ماسة له، والطاهري له القدرة والأهلية في أن يضطلع بهذا الدور”.

الطاهري اليوم، هو أستاذ للتعليم العالي بكلية الحقوق بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، وبالمركز الجهوي للتربية والتكوين بمكناس، متزوج وأب لثلاثة أبناء، حيث اختار اليوم أن يركن قليلا إلى البحث والتنقيب في تاريخ المغاربة من خلال العمل على إضافة كتب أخرى إلى رصيده الذي تزينه عشرات المقالات الفكرية والتاريخية، المنشورة في عديد المجلات الدولية، بالإضافة إلى مشاركاته في كتب جماعية، ناهيك عن مولوديه الأولين: كتاب “الدولة الموحدية الأسس الشرعية والمشروع السياسي”، وكتاب “نظام الحكم عند الموحدين الوسائل والمؤسسات”.

صحيح أن الدكتور الطاهري قد رحل عن قيادة شبيبة الحزب، لكنه باق وقد يعود للساحة السياسية من باب الحزب، بعد أن تَرَك بصماته داخل أكبر شبيبة حزبية بالمغرب، وترك سيرته النضالية بذورَ لقاح ما زالت تزهر في وطن يحتاج لمناضلين أوفياء وسياسيين صادقين ومفكرين ورعين بضمائر حية لا تقبل المساومة.


أوسمة :